مفهوم الدولة بين الشريعة الإسلامية والعلمانية

هل العلمانية مفهوم مضاد للشريعة الإسلامية؟ سؤال طرح للنقاش ضمن فعاليات مؤتمر الكنيسة الإنجيلية بهانوفر يوم الخميس 26 مايو/أيار الماضي. نقاط مثيرة ناقشها الحاضرون تركزت على موقف الإسلام والمسيحية من فصل الدين عن الدولة. يُعد موقف الإسلام من الدولة العلمانية بمعناها المتعارف عليه ـ فصل الدين عن الدولة ـ من أكثر المواضيع نقاشا وبحثا في الآونة الأخيرة سواء داخل أوروبا أو في الدول الإسلامية نفسها. ففي مؤتمر الكنيسة الإنجيلية تركز الحديث حول تناقض وتضاد الشريعة مع العلمانية. وقد تحدث في المؤتمر د. ولفغانج هوبر أسقف الكنيسة الإنجيلية عن “تناقض العلمانية مع الشريعة الإسلامية وتناقض المسلم المتدين مع الدستور الألماني”، مقارنا الإسلام مع المسيحية التي اعتبرها متوافقة بالأصل مع مبدأ فصل الدين عن الدولة والمبادئ العلمانية الاخرى ومستشهدا بقول المسيح الأشهر – أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله

 

الإسلام لا يتعارض مع الدستور الألماني 

وفي معرض رده على أقوال د. هوبر، قال المختص في الدراسات الإسلامية الدكتور محمد قليش من جامعة مونستر “من وجهة نظري الشخصية ليس هناك لدى المسلم أية مشكلة في الإقرار والاعتراف بالدستور الألماني لأني اعتقد أن القيم الرئيسية المبني عليها الدستور موجودة في الإسلام.”، وذلك في إشارة إلى القيم الأساسية التي قام عليها الدستور الألماني وهي الديمقراطية والحرية والمساواة. وفي تعليق من القاهرة للدكتور جمال حشمت، احد القيادات السياسية وعضو البرلمان السابق لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، على مسألة توافق أو تناقض الإسلام مع نظم الحكم المدنية الديموقراطية قال: “مقولة أن الإسلام غير متوافق مع الديموقراطية ونظم الحكم المدني مقولة افتراء على الإسلام، بل على العكس من ذلك، فإن الديموقراطية ما هي إلا الصورة الإجرائية لقيمة إسلامية أصيلة وهي الشورى. من حق الشعب اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله في المجتمع المبني على القيم الإسلامية.” وفي معرض رده على رأي د. هوبر المتعلق بموقف المسلم المتدين من الدستور الألماني قال: “إن الدستور الذي يحمي حرية الفرد والرأي والتعبير والمشاركة السياسية هو دستور روحه إسلامية. الحرية فريضة من فرائض الإسلام بل الحرية كقيمة إنسانية لها الأولوية على تطبيق الشريعة، والمجتمعات الإسلامية لم تزدهر إلا في ظل النظم التي أشاعت مناخ الحرية.”

 

“أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”

يكثر الاستشهاد بهذا القول الشهير للسيد المسيح كدليل على أصالة التوافق بين المسيحية والعلمانية وهذا ما فعله الاسقف هوبر في مداخلته، الا أن السياق التاريخي لهذا القول غالبا ما لا يُذكر أو يتم تجاهله. لقد جاء هذا القول الشهيرعندما سئل المسيح من بعض تلاميذه الهيرودسيين بقصد إحراجه: “يا معلم، نحن نعلم أنك صادق، تَُعرِّف سبيل الله بالحق، ولا تبالي بأحد، لأنك لا تراعي مقام الناس. فقل لنا ما رأيك: أيحل دفع الجزية إلى قيصر أم لا؟” فإن قال أنه لا يجب دفع الجزية فإنه سيعتبر محرضاً ضد السلطة الرومانية المحتلة في ذلك الوقت، وإن قال تدفع الجزية فإنه سيعتبر خائناً للوطن لمصلحة المحتل، لذلك كان قوله للخروج من هذا المأزق: “لماذا تحاولون إحراجي؟ أروني النقد الذي تدفعونه كجزية”، فأتوه بقطعة نقدية، فقال لهم “لمن هذه ؟” قالوا: “لقيصر” فقال لهم: “أدوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. وطوال مئات من سنوات سيطرة الكنيسة على الدولة قبل عصر التنوير في أوروبا لم يتم تأويل هذه المقولة على أنها دعوة إلى فصل الدين عن الدولة أو ما يعرف بالعلمانية. وحتى الآن هناك من المسيحيين من يرفض ويتخوف من هذا التأويل. فقد كتب حديثا الكاتب المسيحي دكتور صموئيل عبد الشهيد في موقع مجلة صوت الكرازة بالإنجيل عدد ابريل 2005 تحت عنوان “نعيق الغربان”، معترضا على التأويل الظاهري لهذه المقولة: “لقد اختلفت التأويلات حول مفهوم فصل الدين عن الدولة في الأوساط المسيحية، وفي الأوساط المجاهدة في سبيل دعم مفهوم “الفصل”. فالأوساط المسيحية، أو بعضها على الأقل، تُفسِّرُ قول المسيح: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، بأنه دعوة صارخة لفصل الدين عن الدولة. وقد يكون هذا هو المعنى الظاهري لهذا القول” ثم يضيف في موضع آخر: “ونرى المشكلة ذاتها، وبصورة أضخم وأكثر إضراراً في الأوساط المدنية التي تريد أن تحطم كل ما هو مُتعلَّق بالدين، والمسيح، والمسيحية باسم فصل الدين عن الدولة.”

 

الإسلام وفصل الدين عن الدولة

على الرغم من عداء الأصوليين الإسلاميين التقليدي لمفهوم العلمانية والتأثير الواضح لمواقفهم الدينية على الثقافة العربية، هناك من يرى في أقوال نبي الإسلام محمد ما قد يكون أكثر مباشرة في تأصيل مفهوم فصل “الدين عن الدنيا”. فقد روي في حادثة تأبير النخل الشهيرة قيام النبي بنصح بعض صحابته بتغيير طريقة زراعتهم للنخيل، وعندما لم يُؤخَذ بنصيحته قال مقولته الأقل شهرة من مقولة المسيح وان كانت أكثر مباشرة من خلال سياقها التاريخي: “أنتم أدرى بأمور دنياكم”. ويتعامل الأصوليون الإسلاميون مع هذه المقولة بنفس الطريقة التي تعاملت الكنيسة بها مع مقولة المسيح في العصور الوسطى، ولكن لو أراد الإسلاميون والباحثون المحايدون دليلا دينيا لتأصيل توافق الإسلام كدين مع فصل الدين عن أمور الدنيا لكانت هذه المقولة أفضل دليل.

 

الدعوة إلى العلمانية ليست جديدة

هناك العديد من العلماء والمفكرين المسلمين الكبار الذين أكدوا على ضرورة فصل الدين عن الدولة، مثل محمد عبده وقاسم أمين وعلي عبد الرازق وطه حسين ونجيب محفوظ. ففي سنة 1925 أصدر الشيخ علي عبد الرازق، أحد علماء الأزهر، كتاباً بعنوان “الإسلام وأصول الحكم”، طالب فيه بفصل الدين عن الدولة، فواجه هجوما عنيفا من الأصوليين آنذاك. وكذلك الشيخ الأزهري خالد محمد خالد، الذي رأى “عدم تلازم الدين مع الدولة وأن الإسلام ديـن ورسالة إنسانية وليس دولة”. وتناول فكرة الدولة الدينية نفسها، على مر التاريخ، وعلى ضوء النتائج التي عانت منها المجتمعات الإنسانية، ليؤكد أن الدولـة الدينية أداة للتكفير وخنق الرأي ودعم الاستعباد والقهر والاستبداد وتتعارض مع الإسلام في قيمه الروحية والإنسانية والاجتماعية.

سعيد سمير

 يونية 2005