الإسلام بين الدين والدولة

الإسلام بين الدين والدولة - الشريعة والحياة

إتفق “علماء” الدين الإسلامي قديما وحديثا على أن للإسلام شقين رئيسيين: الشق الأول هو الإسلام كدين ويسمى هذا الشق  بالعقيدة  أما الشق الثاني فهو الفقه أو الشريعة، أي الإسلام كنظام قانوني وسياسي أو دولة الإسلام. ويختلفا شقي الإسلام بإختلاف المذاهب والطوائف المختلفة وإن كانت هناك بعض المبادئ العامة المتفق عليها بينهم. وإن صح إطلاق لفظ الدين الإسلامي دون ذكر المذهب فيجب أن يكون هو ما اتفق عليه كل المذاهب من سنة وشيعة ومعتزلة وأباضية وصوفية وغيرها في أمور العقيدة.  ما عدا ذلك فهو خاص بكل مذهب على حدة، وكذلك بالنسبة لأمور الشريعة. وبناء عليه، يصح فقط إطلاق لفظ الشريعة الإسلامية على المبادئ العامة التي اتفق عليها المسلمون في كل المذاهب والطوائف وماعدا ذلك تسمى بإسم مذهبها، الشريعة الشيعية أو السلفية وهكذا

نجد في أمهات كتب التراث وشروحها المعاصرة أن الفصل بين العقيدة والشريعة واضح وواجب لذلك يجب عدم الخلط بينهم (راجع مواد الدراسة مثلا بجامعة الأزهر والجامعات الدينية واساتذتها وتخصصاتهم المختلفة).  وبناء عليه فإن لفظ “الدين الإسلامي” هو الجزء المتعلق بالدين في الإسلام وهو العقيدة أما الجزء المتعلق بالدنيا وأحكامها ونظامها فيسمى بالفقه أو الشريعة. ومع ذلك إنتشر ربما عن قصد الخلط بين الشقيين وذكر “الدين الإسلامي” عندما يكون المقصود هو الشريعة الإسلامية في حين لا يتم العكس بذكر الشريعة الإسلامية ويكون المقصود هو العقيدة. وهذا خطأ رغم وضوحه يقع فيه الكثير بدون علم من العامة أو عن علم وقصد من شيوخ المذاهب المختلفة ربما لإستغلال قدسية العقيدة في الدفاع عن المذهب التشريعي لهم

أولا الدين والعقيدة

الدين الإسلامي بمذاهبه وطوائفه المختلفة يصلح عقائديا لكل زمان ومكان وركائزه هي أصول العقيدة الإسلامية كما جاء في نصوصه المقدسة وكتب التراث. وهي أركان الإسلام الخمس الإجرائية، الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج ثم تأتي أركان الإيمان كدرجة أعلى وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره وما لهم من فروع في العبادات (العلاقة مع الله) والسلوك والأخلاق (العلاقة مع الآخرين).  فالعقيدة تمثل للمسلم المؤمن ليس فقط أمور علاقته بربه بل تشمل أيضا على علاقته بكل من حوله وسلوكه معهم مهما كان النظام السياسي والقانوني الذي يعيش فيه – أي شق الشريعة –  وأفضل مثال على ذلك هم المسلمون المتدينون المستقرون في الغرب

ثانيا الشريعة والدولة

تتفق معظم المبادئ العامة في شرائع المذاهب والطوائف المتعددة لكنها تختلف في التفاصيل لدرجة تكفير وقتل بعضهم لبعض أحيانا. لأن الشريعة تمثل نظام قانوني وسياسي فهي تعتمد على ظروف زمان ومكان تطبيقهما والفهم البشري المفسر للنصوص المقدسة حينه، بل أنه يجوز الإختلاف حولها فيختلف ما يصلح من أحكامها من زمان إلى زمان ومن مكان لآخر والمثل الأشهر بتعطيل عمر بن الخطاب لحد السرقة لعدم ملاءمته لظروف المجاعة حينذاك يوضح ذلك بشكل لا ريب فيه. وكثيرا ما كان لتوجه الحاكم دورا كبيرا في توجيه فكر وأحكام فقهاء الشريعة في عصره ووصل الأمر إلى سجن المخالف للحاكم من الفقهاء كما حدث مع حادثة سجن ابن حنبل وابن تيمية وغيرهم. لذلك فقول “الشريعة الإسلامية” دون تحديد المذهب معناه سطوة أحد هذه المذاهب على الإسلام كله وعدم اعتراف هذا المذهب بشرائع المذاهب الأخرى والأصدق والأولى هو تسمية الشريعة بمذهبها فيقال الشريعة الشيعية أو السلفية أو الصوفية وهكذا. بل أحيانا يجب التخصيص داخل الطوائف والمذاهب فالفروق بين السلفية الدعوية والسلفية الجهادية، على سبيل المثال، تمثل إختلافات كبيرة تصل لحد التكفير والقتل.  يعتبر الفكر السلفي من أصول مذاهب أهل السنة والجماعة ويعتمد على فهم السلف للقرآن والسنة في كل من أمور العقيدة وأمور الشريعة. وإن كان هذا المبدأ مقبولا في أمور العقيدة والعبادات لأنها لا ترتبط بظروف الزمان والمكان إلى حد كبير لكن بالنسبة للشريعة فالأمر مختلف لأنها ترتبط بظروف الزمان والمكان ونطاقها هو أمور الدنيا بمتغيراتها وقد ثبت عدم إمكانية تجاهل ذلك لأن ما قد صلح في عصور الإسلام الأولى قد لا يصلح في العصر الحديث بسبب الإختلافات الكبيرة بين العصرين في شتى أمور الحياة وأختلاف الثقافة والمعارف. لذلك فإن محاولات تطبيق الشريعة في العصر الحديث بشكل كامل بدت مستحيلة وفشلت كل التجارب وأضطروا في النهاية إلى تجاهل الكثير من الأحكام مما دعى البعض لإستحداث فقه جديد (فقه الواقع) لعله يكون الملاذ وعلى جانب آخر كان ومازال هناك العديد من المحاولات لإعادة تفسير القرآن والحديث في ضوء ما وصل اليه الإنسان من علوم ومعارف لأنه تبين للقائمين بذلك أن فهم السلف لا يصلح الإكتفاء. وبالرغم من غلق باب الإجتهاد عند معظم شيوخ السلفية لكن قدم البعض تفاسير حديثة مثل تفاسير سيد قطب ليكون دليلا تسترشد به جماعة الإخوان وغيره من المجتهدين والمحدثين.  ومن الناحية التطبيقية العملية حتى الدول التي تدعي حكوماتها الأصولية الإسلامية والحكم بالشريعة (على مذهبها) فإنها كانت مضطرة لتجاهل تناقضات فهم السلف مع ظروف الحياة المعاصر في عدة أمور على سبيل المثال تجريم العبودية، وتجريم الزواج من طفلة، ووقف الفتوحات الإسلامية العسكرية (فريضة الجهاد) وغيرها من أمور اقتصادية مثل أهمية سعر الفائدة في التعاملات مع البنوك رغم اصرار غالبية الفقهاء المعاصرين على اعتبارها ربا مهملين ضرورة تعويض معدل التضخم وانخفاض القوة الشرائية للنقد وهو واقع حديث لم يكن يعرف السلف شيئا عنه

وبناء عليه، لا يوجد الآن شريعة اسلامية محددة ولكن يوجد شرائع طائفية مرتبطة بظروف زمانها ومكانها ومذاهب شيوخها

إحتدم نقاش الدستور في مصر الآن حول دور الشريعة و حدود تطبيقها والمقصود هنا فعلا هي الشريعة السلفية وليس الشريعة الإسلامية كما سبق توضيح الفرق بينهما والإعتراض علي تطبيق الشريعة السلفية أو رفضها هو اعتراض على عدم كفاية وكفاءة “فهم السلف” لأمور الدنيا المعاصرة في الزمن الحديث من نظم علمية وسياسية وإقتصادية وأجتماعية مركبة لم يكن لهم عهد بها.  ولا يعني رفض الشريعة السلفية بأي حال من الأحوال رفض الدين الإسلامي أو عقيدة أي من مذاهبه فالعقيدة الإسلامية راسخة في ثقافة المسلمين بل يمتد أثرها إلى الأقليات الغير مسلمة ويختلف الأمر هنا مع الجزء المتعلق بالنظام القانوني والسياسي. ورفض شريعة السلفيين لا يعني أيضا رفض المذهب السلفي في أمور العقيدة. وفي الواقع أن إنسلاخ فكر الإخوان من رحم السلفية ما هو إلا دليل آخر على عدم توافق الفقه السلفي مع العصر الحديث، فمؤسسي ومنظري جماعة الإخوان تبين لهم أن الفقه السلفي وإعتماده على فهم السلف لا يصلح للتطبيق كما هو في هذا الزمان فقاموا بإعادة صياغته ووضع إمامهم حسن البنا الأصول العشرين لفهم الإخوان – وليس السلف – للإسلام بل وقام سيد قطب أيضا بإعادة تفسير القرآن كاملا في ثمان مجلدات بما رأه يتناسب مع واقع عصره.   ما يحدث الآن في مصر من قبل جماعات الإسلام السياسي من محاولات فرض الشريعة على الدستور ما هو إلا إستغلال لقدسية الدين (العقيدة) الراسخة عند جموع المسلمين لتحقيق أغراض ومكاسب سياسية ليست بالضرورة في مصلحة الدولة وتقدمها ورخاء وحرية كافة المصريين بتنوع مذاهبهم ودياناتهم لكنها بالطبع تهدف إلى مصلحة جماعات الإسلام السياسي بشكل مبدأي إلى أن يعيد التاريخ نفسه وتبدأ الصراعات داخل تيارات الإسلامي السياسي نفسه في حال نجاحهم في فرض الشريعة لأن لكل منهم شريعته الخاصة

سعيد سمير